المقيت
كلمة (المُقيت) في اللغة اسم فاعل من الفعل (أقاتَ) ومضارعه...
إلقاء الكلام أمام شخص؛ ليعيد النطق به . ومن أمثلته تلقين المحتَضَر الذي يقرب من الموت بأن يُنطَق أمامه بالشَّهادتين؛ لينطق بهما . ومن شواهده الحديث الشريف : "لقنوا موتاكم : لا إله إلا الله ." مسلم :916.
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّلْقِينُ: مَصْدَرُ لَقَّنَ، يُقَال لَقِنَ الْكَلاَمَ: فَهِمَهُ، وَتَلَقَّنَهُ: أَخَذَهُ وَتَمَكَّنَ مِنْهُ، وَقِيل: مَعْنَاهُ أَيْضًا فَهِمَهُ. وَهَذَا يَصْدُقُ عَلَى الأَْخْذِ مُشَافَهَةً، وَعَلَى الأَْخْذِ مِنَ الْكُتُبِ
وَيُقَال: لَقَّنَهُ الْكَلاَمَ: أَلْقَاهُ إِلَيْهِ لِيُعِيدَهُ (1) .
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ (2) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّعْرِيضُ:
2 - التَّعْرِيضُ فِي الْكَلاَمِ: مَا يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ مُرَادَهُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، فِي حِينِ يَكُونُ التَّلْقِينُ صَرِيحًا غَالِبًا (3) .
ب - التَّعْلِيمُ:
3 - التَّعْلِيمُ: مَصْدَرُ عَلَّمَ، يُقَال: عَلَّمَهُ الْعِلْمَ وَالصَّنْعَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ: جَعَلَهُ يَعْلَمُهَا
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَالتَّلْقِينِ: أَنَّ التَّلْقِينَ يَكُونُ فِي الْكَلاَمِ فَقَطْ، وَالتَّعْلِيمَ يَكُونُ فِي الْكَلاَمِ وَغَيْرِهِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّلْقِينِ (4) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ عَنِ التَّلْقِينِ فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ مِنْهَا:
تَلْقِينُ الْمُحْتَضَرِ:
4 - إِذَا احْتُضِرَ الإِْنْسَانُ وَأَصْبَحَ فِي حَالَةِ النَّزْعِ قَبْل الْغَرْغَرَةِ. فَالسُّنَّةُ أَنْ يُلَقَّنَ الشَّهَادَةَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (5) وَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ كَانَ آخِرُ كَلاَمِهِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَل الْجَنَّةَ (6) وَلاَ يُلَحُّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهَا مَخَافَةَ أَنْ يَضْجَرَ، فَإِذَا قَالَهَا الْمُحْتَضَرُ مَرَّةً لاَ يُعِيدُهَا الْمُلَقِّنُ، إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْمُحْتَضَرُ بِكَلاَمٍ غَيْرِهَا، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.
وَفِي الْمَجْمُوعِ نَقْلاً عَنِ الْمَحَامِلِيِّ وَغَيْرِهِ: يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ ثَلاَثًا، وَلاَ يُزَادُ عَلَى ثَلاَثٍ. وَلاَ يُسَنُّ زِيَادَةُ " مُحَمَّدٌ رَسُول اللَّهِ " عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِظَاهِرِ الأَْخْبَارِ (7) .
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُلَقَّنُ الشَّهَادَتَيْنِ بِأَنْ يَقُول الْمُلَقِّنُ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ " وَدَلِيلُهُمْ: أَنَّ الْمَقْصُودَ تَذَكُّرُ التَّوْحِيدِ، وَذَلِكَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالشَّهَادَتَيْنِ (8) .
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْمُلَقِّنُ غَيْرَ مُتَّهَمٍ بِعَدَاوَةٍ أَوْ حَسَدٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ غَيْرُهُمْ، لَقَّنَهُ أَشْفَقُ الْوَرَثَةِ، ثُمَّ غَيْرُهُ (9) .
التَّلْقِينُ بَعْدَ الْمَوْتِ:
5 - اخْتَلَفُوا فِي تَلْقِينِ الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَالزَّيْلَعِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّلْقِينَ لاَ بَأْسَ بِهِ، فَرَخَّصُوا فِيهِ، وَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ، لِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵊: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (10) وَقَدْ نُقِل عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّهُمْ أَمَرُوا بِهِ كَأَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُول يَا فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ: اذْكُرْ دِينَكَ الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِْسْلاَمِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﵊ نَبِيًّا (11) .
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لاَ يُلَقَّنُ، إِذِ الْمُرَادُ بِمَوْتَاكُمْ فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْمَوْتِ، وَفِي الْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: أَمَّا التَّلْقِينُ بَعْدَ الدَّفْنِ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ عَنْ أَحْمَدَ شَيْئًا، وَلاَ أَعْلَمُ فِيهِ لِلأَْئِمَّةِ قَوْلاً سِوَى مَا رَوَاهُ الأَْثْرَمُ، فَقَال: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا فَعَل هَذَا إِلاَّ أَهْل الشَّامِ حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ، جَاءَ إِنْسَانٌ فَقَال ذَلِكَ (12) .
وَفِي كُل ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، يُنْظَرُ فِي (مَوْتٌ، جِنَازَةٌ، احْتِضَارٌ) .
تَلْقِينُ الْمُقِرِّ فِي الْحُدُودِ:
6 - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّهُ يُسَنُّ لِلإِْمَامِ أَوْ لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ أَنْ يُلَقِّنَ الْمُقِرَّ الرُّجُوعَ عَنِ الإِْقْرَارِ فِي الْحُدُودِ دَرْءًا لِلْحَدِّ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالزِّنَى لَقَّنَهُ الرُّجُوعَ، فَقَال ﵊: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ (13) ، وَقَال لِرَجُلٍ سَرَقَ: أَسَرَقْتَ؟ مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ (14) .
وَاخْتَارَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ الأَْخْذَ بِالاِسْتِفْسَارِ تَعَلُّقًا بِمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الزِّنَى (15) .
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (إِقْرَارٌ. حَدٌّ)
تَلْقِينُ الْخَصْمِ وَالشَّاهِدِ:
7 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُلَقِّنَ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ حُجَّتَهُ؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكْسِرُ قَلْبَ الْخَصْمِ الآْخَرِ، وَلأَِنَّ فِيهِ إِعَانَةَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ فَيُوجِبُ التُّهْمَةَ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ تَكَلَّمَ أَحَدُهُمَا أَسْكَتَ الآْخَرَ لِيَفْهَمَ كَلاَمَهُ (16) .
8 - وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلشَّاهِدِ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَلْقِينِهِ فِي الْجُمْلَةِ، بَل يَتْرُكُهُ يَشْهَدُ بِمَا عِنْدَهُ، فَإِنْ أَوْجَبَ الشَّرْعُ قَبُولَهُ قَبِلَهُ، وَإِلاَّ رَدَّهُ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ بَأْسَ بِتَلْقِينِ الشَّاهِدِ بِأَنْ يَقُول: أَتَشْهَدُ بِكَذَا وَكَذَا؟ . وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ مِنَ الْجَائِزِ أَنَّ الشَّاهِدَ يَلْحَقُهُ الْحَصْرُ لِمَهَابَةِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ فَيَعْجِزُ عَنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ، فَكَانَ التَّلْقِينُ تَقْوِيمًا لِحُجَّةٍ ثَابِتَةٍ فَلاَ بَأْسَ بِهِ (17) . مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
9 - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ التَّلْقِينِ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ كَالْجِنَازَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالشَّهَادَةِ، وَالإِْقْرَارِ. وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي تِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ.
__________
(1) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، مادة: " لقن ".
(2) البدائع 7 / 10، والحطاب 2 / 219، ومغني المحتاج 1 / 330.
(3) التعريفات للجرجاني.
(4) محيط المحيط مادة: " لقن " والفروق في اللغة ص75.
(5) ) حديث: " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " أخرجه مسلم (2 / 631 ط الحلبي) .
(6) " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " أخرجه أبو داود (3 / 486 ط عزت عبيد دعاس) ، والحاكم (1 / 3510 ط دائرة المعارف العثمانية) . وصححه ووافقه الذهبي.
(7) الطحطاوي على مراقي الفلاح ص305 ط الأميرية ببولاق، والبدائع 1 / 299 ط الأولى 1327 هـ، ومغني المحتاج 1 / 330، والحطاب 2 / 219 ط مكتبة النجاح، والمغني 2 / 450 الرياض.
(8) ) ابن عابدين 1 / 570 - 571 ط الأميرية ببولاق، والشرح الصغير 1 / 561 ط دار المعارف بمصر، ومغني المحتاج 1 / 330، والمغني 2 / 450.
(9) ) مغني المحتاج 1 / 330.
(10) الحديث سبق تخريجه في الفقرة السابقة.
(11) الزيلعي 1 / 234 ط الأميرية ببولاق، والحطاب 2 / 219، ومغني المحتاج 1 / 330، وفتاوى ابن تيمية 23 / 296.
(12) المغني والشرح الكبير 2 / 385، والفتاوى الهندية 1 / 157، ومغني المحتاج 1 / 330، والزيلعي 1 / 134.
(13) حديث: " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ " أخرجه البخاري (الفتح 12 / 135 ط السلفية) .
(14) " قال لرجل سرق: ما إخالك سرقت؟ " أخرجه أبو داود (4 / 543 ط عزت عبيد دعاس) وقال الخطابي: " في إسناده مقال، رواه رجل مجهول ".
(15) بدائع الصنائع 7 / 61 ط دار الكتاب العربي بيروت، والروضة 1 / 145، وكشاف القناع 6 / 145، وكشاف القناع 6 / 103 ط مكتبة النصر، والتبصرة بهامش فتح العلي 2 / 233، 234 ط مصطفى محمد.
(16) البدائع 7 / 10، وابن عابدين 4 / 312، والروضة 11 / 161، وكشاف القناع 6 / 314، والدسوقي 4 / 181.
(17) المصادر السابقة.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 295/ 13
رمضانُ شهرُ الانتصاراتِ الإسلاميةِ العظيمةِ، والفتوحاتِ الخالدةِ في قديمِ التاريخِ وحديثِهِ.
ومنْ أعظمِ تلكَ الفتوحاتِ: فتحُ مكةَ، وكان في العشرينَ من شهرِ رمضانَ في العامِ الثامنِ منَ الهجرةِ المُشَرّفةِ.
فِي هذهِ الغزوةِ دخلَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ مكةَ في جيشٍ قِوامُه عشرةُ آلافِ مقاتلٍ، على إثْرِ نقضِ قريشٍ للعهدِ الذي أُبرمَ بينها وبينَهُ في صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، وبعدَ دخولِهِ مكةَ أخذَ صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يطوفُ بالكعبةِ المُشرفةِ، ويَطعنُ الأصنامَ التي كانتْ حولَها بقَوسٍ في يدِهِ، وهوَ يُرددُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (81)الإسراء، وأمرَ بتلكَ الأصنامِ فكُسِرَتْ، ولما رأى الرسولُ صناديدَ قريشٍ وقدْ طأطأوا رؤوسَهمْ ذُلاً وانكساراً سألهُم " ما تظنونَ أني فاعلٌ بكُم؟" قالوا: "خيراً، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ"، فأعلنَ جوهرَ الرسالةِ المحمديةِ، رسالةِ الرأفةِ والرحمةِ، والعفوِ عندَ المَقدُرَةِ، بقولِه:" اليومَ أقولُ لكمْ ما قالَ أخِي يوسفُ من قبلُ: "لا تثريبَ عليكمْ اليومَ يغفرُ اللهُ لكمْ، وهو أرحمُ الراحمينْ، اذهبوا فأنتمُ الطُلَقَاءُ".