القابض
كلمة (القابض) في اللغة اسم فاعل من القَبْض، وهو أخذ الشيء، وهو ضد...
التَّعْرِيفُ:
1 - التَّرَاضِي فِي اللُّغَةِ: تَفَاعُلٌ مِنَ الرِّضَا ضِدُّ السُّخْطِ، وَالرِّضَا: هُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْفِعْل أَوِ الْقَوْل وَالاِرْتِيَاحُ إِلَيْهِ، وَالتَّفَاعُل يَدُل عَلَى الاِشْتِرَاكِ (1) .
وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي نَفْسِ الْمَعْنَى، حِينَمَا يَتَّفِقُ الْعَاقِدَانِ عَلَى إِنْشَاءِ الْعَقْدِ دُونَ إِكْرَاهٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَيَقُولُونَ مَثَلاً: الْبَيْعُ مُبَادَلَةُ الْمَال بِالْمَال بِالتَّرَاضِي (2) . وَفِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ: {لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . (3)
قَال الْقُرْطُبِيُّ: عَنْ رِضًا مِنْكُمْ، وَجَاءَتْ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ، إِذِ التِّجَارَةُ تَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ. (4) الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْرَادَةُ:
2 - الإِْرَادَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّلَبُ وَالْمَشِيئَةُ. وَيَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى: الْقَصْدِ وَالاِتِّجَاهِ إِلَى الشَّيْءِ، فَهِيَ أَعَمُّ مِنَ الرِّضَا، فَقَدْ يُرِيدُ الْمَرْءُ شَيْئًا وَيَرْتَاحُ إِلَيْهِ، فَيَجْتَمِعُ الرِّضَا مَعَ الإِْرَادَةِ، وَقَدْ لاَ يَرْتَاحُ إِلَيْهِ وَلاَ يُحِبُّهُ، فَتَنْفَرِدُ الإِْرَادَةُ عَنِ الرِّضَا (5) .
ب - الاِخْتِيَارُ:
3 - الاِخْتِيَارُ: إِرَادَةُ الشَّيْءِ بَدَلاً مِنْ غَيْرِهِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَالْمُخْتَارُ هُوَ الْمُرِيدُ لِخَيْرِ الشَّيْئَيْنِ فِي الْحَقِيقَةِ، أَوْ خَيْرُ الشَّيْئَيْنِ عِنْدَ نَفْسِهِ، وَقَدْ يَتَوَجَّهُ الْقَصْدُ إِلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ دُونَ النَّظَرِ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ، وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَنْفَرِدُ الإِْرَادَةُ عَنِ الاِخْتِيَارِ.
وَقَدْ يَخْتَارُ الْمُرْءُ أَمْرًا لاَ يُحِبُّهُ وَلاَ يَرْتَاحُ إِلَيْهِ، فَيَأْتِي الاِخْتِيَارُ بِدُونِ الرِّضَا، كَمَا يَقُول الْفُقَهَاءُ: (يَخْتَارُ أَهْوَنَ الشَّرَّيْنِ) ، وَالْمُكْرَهُ قَدْ يَخْتَارُ الشَّيْءَ وَلاَ يَرْضَاهُ كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ (6) . الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
4 - الأَْصْل أَنَّ التَّرَاضِيَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ يَكُونُ قَوْلاً بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَقَدْ يَكُونُ قَوْلاً مِنْ أَحَدِهِمَا وَفِعْلاً مِنَ الطَّرَفِ الآْخَرِ، أَوْ فِعْلاً مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَمَا فِي الْمُعَاطَاةِ، (7) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَقْدٍ) .
وَإِذَا حَصَل التَّرَاضِي بِالْقَوْل يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ بِذَلِكَ، وَيَرْتَفِعُ الْخِيَارُ. (8)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: تَمَّامُ التَّرَاضِي وَلُزُومُهُ بِافْتِرَاقِ الأَْبْدَانِ، فَهُمَا عَلَى خِيَارِهِمَا أَبَدًا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، (9) كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (10) .
وَقَدْ فَسَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ بِافْتِرَاقِ الأَْقْوَال بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول (11) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (افْتِرَاقٍ، وَخِيَارِ الْمَجْلِسِ) .
5 - هَذَا، وَحَيْثُ إِنَّ التَّرَاضِيَ أَسَاسُ انْعِقَادِ الْعُقُودِ، وَالإِْيجَابَ وَالْقَبُول أَوِ التَّعَاطِيَ وَنَحْوَهُمَا وَسِيلَةٌ لِلتَّعْبِيرِ عَنْهُ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرِّضَا الَّذِي دَل عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ خَالِيًا عَنِ الْعُيُوبِ، وَإِلاَّ اخْتَل التَّرَاضِي، فَيَخْتَل الْعَقْدُ.
وَيَخْتَل التَّرَاضِي بِأَسْبَابٍ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:
أ - الإِْكْرَاهُ:
6 - وَهُوَ حَمْل الإِْنْسَانِ عَلَى أَمْرٍ يَمْتَنِعُ عَنْهُ بِتَخْوِيفٍ يَقْدِرُ الْحَامِل عَلَى إِيقَاعِهِ (12) .
وَبِمَا أَنَّ الإِْكْرَاهَ يُعْدِمُ الرِّضَا، فَإِنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَيَصِيرُ قَابِلاً لِلْفَسْخِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَتَوَقَّفُ حُكْمُهُ عَلَى إِجَازَةِ الْمُكْرَهِ بَعْدَ زَوَال الإِْكْرَاهِ، (13) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (إِكْرَاهٍ) .
ب - الْهَزْل:
7 - وَهُوَ ضِدُّ الْجِدِّ، بِأَنْ يُرَادَ بِالشَّيْءِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ، وَلاَ مَا صَحَّ لَهُ اللَّفْظُ اسْتِعَارَةً. وَالْهَازِل يَتَكَلَّمُ بِصِيغَةِ الْعَقْدِ بِاخْتِيَارِهِ، لَكِنْ لاَ يَخْتَارُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ وَلاَ يَرْضَاهُ، وَلِهَذَا لاَ تَنْعَقِدُ بِهِ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَلَهُ آثَارُهُ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ كَالزَّوَاجِ وَالطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ (14) (ر: هَزْلٌ) .
ج - الْمُوَاضَعَةُ أَوِ التَّلْجِئَةُ:
8 - وَهِيَ أَنْ يَتَظَاهَرَ الْعَاقِدَانِ بِإِنْشَاءِ عَقْدٍ صُورِيٍّ لِلْخَوْفِ مِنْ ظَالِمٍ وَنَحْوِهِ، وَلاَ يُرِيدَانِهِ فِي الْوَاقِعِ، وَالْعَقْدُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ: فَاسِدٌ، أَوْ بَاطِلٌ، أَوْ جَائِزٌ (15) ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ مَوْضِعُهُ مُصْطَلَحُ: (مُوَاضَعَةٌ وَتَلْجِئَةٌ) .
د - التَّغْرِيرُ:
9 - هُوَ إِيقَاعُ الشَّخْصِ فِي الْغَرَرِ، أَيِ: الْخَطَرِ، كَأَنْ يُوصَفَ الْمَبِيعُ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ صِفَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ لِتَرْغِيبِهِ فِي الْعَقْدِ. فَإِذَا غَرَّ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ الآْخَرَ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ فِي الْبَيْعِ غَبْنًا فَاحِشًا (16) فَلِلْمَغْبُونِ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ (17) عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (غَبْنٌ وَتَغْرِيرٌ) . وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ أُخْرَى يَخْتَل بِهَا التَّرَاضِي كَالْغَلَطِ وَالتَّدْلِيسِ وَالْجَهْل وَالنِّسْيَانِ وَنَحْوِهَا، وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي كُلٍّ مِنْهَا فِي مُصْطَلَحَاتِهَا.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
10 - يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ عَنِ التَّرَاضِي فِي: إِنْشَاءِ الْعُقُودِ، وَلاَ سِيَّمَا فِي تَعْرِيفِ الْبَيْعِ، وَفِي الإِْقَالَةِ، وَفِي مُوَافَقَةِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى مِقْدَارِ الصَّدَاقِ بَعْدَ الْعَقْدِ، أَوِ الزِّيَادَةِ أَوِ النُّقْصَانِ فِيهِ فِي بَحْثِ الْمَهْرِ، وَفِي الْخُلْعِ، وَالصُّلْحِ، وَاتِّفَاقِ الأَْبَوَيْنِ عَلَى فِطَامِ الْمَوْلُودِ لأَِقَل مِنْ سَنَتَيْنِ فِي بَحْثِ الرَّضَاعِ. وَتَفْصِيل مَا يَتَّصِل بِالتَّرَاضِي مِنْ طَرَفَيْنِ أَوْ طَرَفٍ وَاحِدٍ مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (رِضًا) .
__________
(1) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: " رضي ".
(2) فتح القدير 5 / 455، وابن عابدين 4 / 7.
(3) سورة النساء / 29.
(4) تفسير القرطبي 5 / 153.
(5) المصباح المنير، وتاج العروس مادة: " رود "، والفروق في اللغة ص 118، وكشف الأسرار للبزدوي 4 / 1503.
(6) الفروق في اللغة ص 118، وكشاف اصطلاحات الفنون، والقاموس المحيط مادة: " خير "، وكشف الأسرار للبزدوي 4 / 1503، وابن عابدين 4 / 7، ومجلة الأحكام العدلية م (29) .
(7) فتح القدير 5 / 455، وابن عابدي 4 / 7 - 9، والدسوقي 3 / 2، 3، وجواهر الإكليل 2 / 2، والقليوبي 3 / 211، و 217، والمغني 4 / 453.
(8) تفسير الألوسي 5 / 16، والاختيار لتعليل المختار 2 / 5، وتبيين الحقائق للزيلعي 4 / 3، والشرح الصغير للدردير 3 / 134، وتفسير القرطبي 5 / 153.
(9) نهاية المحتاج 4 / 3، والقليوبي 2 / 153، والمغني لابن قدامة 3 / 563.
(10) حديث: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. . . ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 328 - ط السلفية) ومسلم (3 / 1163 - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(11) ابن عابدين 4 / 20، 21، وبلغة السالك 3 / 134.
(12) كشف الأسرار للبزدوي 4 / 1503.
(13) مجلة الأحكام العدلية مادة: (1006) والدسوقي 3 / 6، ومغني المحتاج 2 / 7، والبدائع 1 / 177.
(14) ابن عابدين 4 / 7، والدسوقي 3 / 4، والمغني 6 / 535، والقليوبي 3 / 323، 331.
(15) البدائع 5 / 176، 177، وأسنى المطالب 2 / 11، وابن عابدين 4 / 460، 5 / 244، والمغني 4 / 214، 215 ط الرياض.
(16) اختلفت عبارات الفقهاء في تحديد الغبن الفاحش، فحدده الحنفية على قدر نصف العشر في العروض، والعشر في الحيوانات، والخمس في العقار، وقيل: بالثلث مطلقا، وقيل: بالسدس، وقيل: يحدد بالعرف والعادة (مجلة الأحكام م 165، والمغني 3 / 584، 585 ط الرياض.
(17) مجلة الأحكام العدلية م: (164، 357) ، والمغني 3 / 584، 585 ط الرياض.
الموسوعة الفقهية الكويتية: 156/ 11
رمضانُ شهرُ الانتصاراتِ الإسلاميةِ العظيمةِ، والفتوحاتِ الخالدةِ في قديمِ التاريخِ وحديثِهِ.
ومنْ أعظمِ تلكَ الفتوحاتِ: فتحُ مكةَ، وكان في العشرينَ من شهرِ رمضانَ في العامِ الثامنِ منَ الهجرةِ المُشَرّفةِ.
فِي هذهِ الغزوةِ دخلَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وسلمَ مكةَ في جيشٍ قِوامُه عشرةُ آلافِ مقاتلٍ، على إثْرِ نقضِ قريشٍ للعهدِ الذي أُبرمَ بينها وبينَهُ في صُلحِ الحُدَيْبِيَةِ، وبعدَ دخولِهِ مكةَ أخذَ صلىَ اللهُ عليهِ وسلمَ يطوفُ بالكعبةِ المُشرفةِ، ويَطعنُ الأصنامَ التي كانتْ حولَها بقَوسٍ في يدِهِ، وهوَ يُرددُ: «جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (81)الإسراء، وأمرَ بتلكَ الأصنامِ فكُسِرَتْ، ولما رأى الرسولُ صناديدَ قريشٍ وقدْ طأطأوا رؤوسَهمْ ذُلاً وانكساراً سألهُم " ما تظنونَ أني فاعلٌ بكُم؟" قالوا: "خيراً، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ"، فأعلنَ جوهرَ الرسالةِ المحمديةِ، رسالةِ الرأفةِ والرحمةِ، والعفوِ عندَ المَقدُرَةِ، بقولِه:" اليومَ أقولُ لكمْ ما قالَ أخِي يوسفُ من قبلُ: "لا تثريبَ عليكمْ اليومَ يغفرُ اللهُ لكمْ، وهو أرحمُ الراحمينْ، اذهبوا فأنتمُ الطُلَقَاءُ".